يبدأ تاريخ قويتشو من موقعها على الخريطة. تقع هذه الهضبة بين حوض سيتشوان وتلال قوانغشي، وهي ممر لا بدّ منه للوصول من السهل الأوسط إلى يوننان، وقد سمّى القدماء منطقة انشون «مفتاح يوننان وقويتشو» و«بطن قويتشو وحلق يوننان»، وهو تعبير دقيق عن قيمتها كممر. فكثرة الجبال ووعورة الطرق أبعدت قويتشو طويلًا عن ضجيج السهل الأوسط، ومكانتها الحسّاسة جرّتها مرارًا إلى تدبير الخريطة الوطنية. وهكذا نبتت شخصية قويتشو في شدّ الحبل بين طرفي هذه المعادلة المتناقضة: «النائية» و«الحسّاسة».
كانت أسرة مينغ نقطة تحوّل في تاريخ قويتشو. في السنة الرابعة عشرة من عهد هونغوو (1381)، أرسل جو يوانتشانغ القائد فو يووده على رأس جيش من ثلاث مئة ألف جندي في حملة جنوبية على يوننان وقويتشو، وهي «حملة دياو بيه تشنغ نان (نقل القوات من الشمال إلى الجنوب)»؛ وبعد أن هدأت الحرب، نُفّذت سياسة «دياو بيه تيان نان (توطين الناس من الشمال في الجنوب)»، فنُقلت أعداد كبيرة من الجنود والمدنيين إلى وسط قويتشو، وأقام الجنود في المكان «مستوطنات زراعية تحرس الحدود»، فتكوّنت تجمّعات «تونبو» (مستوطنة حامية من عهد أسرة مينغ) التي «الجندي فيها حامية والمدني فيها حصن». وقد حمل هؤلاء المهاجرون القادمون من جيانغنان وحوض نهر هواي معهم إلى الهضبة لغتهم وأزياءهم ومعتقداتهم وأساليب تسليتهم في موطنهم الأصلي. وبعد أكثر من ست مئة عام، ما زال في انشون أكثر من ثلاث مئة قرية قديمة تحفظ عادات عهد مينغ القديمة، وقد عاش على هذه الأرض في التاريخ أكثر من مئتي ألف من أبناء تونبو. وإذا دخلت تيانلونغ تونبو أو يونفنغ تونبو، رأيت من واجهات الشوارع إلى جدران الأفنية، ومن القرميد إلى أساس البيت، بيوتًا مبنية بالحجارة في كل مكان، ويمضي الزمن هنا أبطأ من أي مكان آخر؛ أما أوبرا ديصي (أوبرا الأرض) التي تُوصف بـ«الأحفورة الحيّة للمسرح»، فما زالت في الأعياد تقرع الطبول وتنشد حكايات الوفاء والإخلاص.
وفي عهد مينغ أيضًا نفّذت السلطة المركزية نظام التوسي في الجنوب الغربي، حيث يحكم زعماء محليون بالوراثة. ويشكّل هايلونغتون في تسوني شاهدًا ماديًا على هذا النظام: فقد كان قلعة عسكرية للتوسي (زعيم وراثي) من أسرة يانغ في بوتشو خلال عهد أسر سونغ ويوان ومينغ، بُنيت على الجبل، بجدران حجرية ومعابر محصّنة طبقة فوق طبقة، وما زالت على قمته آثار الثكنات والمخازن ونقاط التفتيش. وفي عام 2015 أُدرج هايلونغتون في «قائمة التراث العالمي» في الدورة التاسعة والثلاثين لمؤتمر التراث العالمي، فصار أول تراث ثقافي عالمي في قويتشو، وانضمّ إلى كنوز الثقافة المشتركة للبشرية جمعاء. وهو وتونبو في عهد مينغ يمثّلان حلقتين متتاليتين تشرحان بوضوح خيط «إدارة الوسط للجنوب الغربي».
وتاريخ قويتشو أيضًا تاريخ كتبته القوميات المتعددة معًا. فعاشت هنا جيلًا بعد جيل قوميات مياو ودونغ وبويي وشوي وغيرها من القوميات المقيمة منذ القدم، فحوّلت الجبال إلى وعاء للثقافة. وما زالت قرى مياو وقرى دونغ في تشياندونغنان تحفظ حتى اليوم برج الطبل وجسر الريح والمطر وقاعة الأغاني، وقد أُدرجت الأغنية الكبرى لقومية دونغ، وهي تناغم طبيعي متعدد الأصوات بلا قائد ولا مصاحبة، في قائمة روائع التراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى اليونسكو عام 2009؛ أما الأعياد مثل رأس السنة لقومية مياو ومهرجان الأخوات ورأس السنة لقومية دونغ ومهرجان ساما، فتقطّع السنة إلى محطات مفعمة بالحيوية. وبالمقارنة بجبال قويتشو وأنهارها، فإن هذه العادات الشعبية الحيّة تراثٌ أيضًا، بل تراث يُستخدم كل يوم.
وقد تركت عطايا قويتشو الطبيعية بصمات زمنية واضحة في قائمة التراث العالمي أيضًا. ففي عام 2007 أُدرج كارست ليبو، بوصفه جزءًا من «كارست جنوب الصين»، في قائمة التراث الطبيعي العالمي (اليونسكو)؛ وفي عام 2010 أُدرج دانشيا تشيشوي مع «دانشيا الصين» في القائمة؛ وفي عام 2014 اختير كارست شيبينغ ضمن المرحلة الثانية من «كارست جنوب الصين»؛ وفي عام 2018 صار فانتشينغشان رابع موقع تراث طبيعي عالمي في قويتشو. وتقع المواقع الأربعة في جهات متفرقة، وتمثّل على التوالي حقول القمم وأشجارها، والدانشيا، والكارست الدولوميتي، وإيكولوجيا الجبال المعزولة، وتبلغ مساحة مواقع التراث الطبيعي العالمي في المقاطعة نحو 1.42% من مساحة أراضيها. وقويتشو اليوم هي المقاطعة الأكثر عددًا في مواقع التراث الطبيعي العالمي على مستوى البلاد، ومن هنا جاءت تسميتها «مقاطعة المنتزه».
وقد أنبتت قويتشو، بوصفها ممرًا، خطًّا صناعيًا مرتبطًا بنهر. فالنهر تشيشوي يشقّ شمال قويتشو، ومناخ الوادي وظروفه المائية مناسبان على نحو خاص لنمو الأحياء الدقيقة المخمّرة، ومن هنا صارت بلدة ماوتاي في رانهواي بتسوني المنطقة الأساسية لإنتاج البيجيو بعطر الصويا. وقد بلغت العلاقة بين التخمير والوادي، وبين الحبوب والمناخ، ذروتها في قويتشو؛ وإذا دخلت بلدة ماوتاي، وجدت عبير ثفل الخمر يعبق في الهواء على مدار السنة، وقد صارت هذه الحرفة الممتدة مئات الأعوام بطاقة تعريف تقدّمها قويتشو إلى العالم.
ومع دخول العصر الحديث، ازداد دور قويتشو ثقلًا. فخلال حرب المقاومة كانت جزءًا من المؤخرة الجنوبية الغربية، تتولّى مهمّتي العبور والتمركز؛ وبعد تأسيس الصين الجديدة صارت، بفعل الجبال الشاهقة والأودية العميقة، مؤخرة عميقة للبناء الوطني الرئيسي. فشقّ الطرق وبناء الجسور وإنشاء المصانع حوّل بها جيل بعد جيل الحواجز الطبيعية إلى طرق سالكة، فاكتسبت قويتشو لقب «متحف الجسور العالمي». وعندما انتصب تلسكوب راديوي ضخم في منخفض بين الجبال، رفعت منطقة عين السماء الصينية السياحية (فاست) في بينغتانغ بتشيانيان هذه الهضبة إلى مستوى التطلّع نحو النجوم — ومن طرق البريد إلى الجسور، ثم إلى النجوم، تظلّ حكاية ممرات قويتشو تتجدّد.
وإذا رجعنا بالزمن إلى الوراء، وجدنا هذه الأرض من قويتشو «مطلوبة» في الواقع قبل عهد مينغ. فهي تقع بين سيتشوان ويوننان وقوانغشي، وهي ممر إلزامي من الجنوب إلى الجنوب الغربي، ومن أراد أن يدير يوننان وجب عليه أن يمرّ بقويتشو أولًا. ولهذا نظرت أسرة مينغ إليها كجزء من استراتيجية الدولة: فأقامت من جهة الحصون والوحدات العسكرية وأسّست مستوطنات التونبو، وأمّنت الممر بالمستوطنات العسكرية الزراعية؛ ومن جهة أخرى جعلتها إداريًا مقاطعة قائمة بذاتها. ولذلك حلّت قويتشو في مرتبة خاصة بين مقاطعات الصين — فهي مقاطعة وُلدت من تنفيذ استراتيجية وطنية، وتثبيت الحدود وضبطها مسؤولية ملازمة لها منذ نشأتها. وقد بقي هذا الوصف واضحًا حتى عهد أسرة تشينغ: فقد كان حاكم يوننان وقويتشو يقيم نصف عام في تشيويانغ ونصف عام في انشون، وهو ما يدلّ على ثقل منطقة انشون بوصفها «مفتاح يوننان وقويتشو».
يجلب الممر الناس، ويجلب الناس المدن. وعلى امتداد طرق البريد والمعابر، نبتت في قويتشو سلسلة من مدن عهدي مينغ وتشينغ، وبلدة تشينغيان القديمة خير مثال عليها — إذ تفرّعت عن مستوطنة عسكرية من عهد مينغ، وما زالت أسوارها وأزقتها الحجرية وبوّاباتها الأثرية سليمة حتى اليوم، وقد تحوّلت البلدة العسكرية قديمًا إلى سوق يرتاده التجار والمسافرون. وفي قويتشو بلدات قديمة أخرى كثيرة مماثلة، معظمها يحرس معبرًا أو طريق بريد، فتظهر فيها المخازن ودور التجار والمعابد تباعًا، لتصل مقاطعة «نائية» بشبكة كاملة من طرق التجارة في الجنوب الغربي: الملح والقماش والشاي وقوافل الخيول، قادمة وراحلة، كانت كلها تستريح في هذه البلدات الصغيرة.
وقد صاغت الجبال أيضًا نوعًا آخر من منتجات قويتشو. فمناطق الشاي في شمال قويتشو وحقول الأرز في وسطه تعتمد على مناخ دقيق يمنحه الارتفاع والرطوبة معًا؛ وقد جسّدت حقول الشاي المتّصلة حول مايتان بتسوني عبارة «الشاي الجيد ينبت في ضباب الجبال العالية» في الواقع. وإلى جانب الزراعة، أنبتت الجبال الصناعات اليدوية: الباتيك والحلي الفضية والتطريز وأقنعة أوبرا ديصي، كلها حرف توارثتها القرى جيلًا بعد جيل، وهي اليوم أدوات للحياة، وثقافة يمكن للمسافر أن يلمسها عن قرب. فقائمة منتجات قويتشو لم تقتصر يومًا على المناظر.
قويتشو اليوم هي، إلى حدّ بعيد، تاريخ من مصارعة التضاريس. فقد كانت الجبال الشاهقة والأودية العميقة أكبر عقبة أمام التنمية، وأبقت هذه الهضبة هادئة زمنًا طويلًا. وبدأ التغيير من الطرق: فامتدّت الطرق والسكك الحديدية مترًا بعد متر نحو الجبال، وعبرت الجسور وادًا بعد وادٍ، ولم تعد الجسور العملاقة الممتدة فوق الأودية تحلّ مشكلة المرور فحسب، بل صارت مناظر جديدة ومقاصد للرحلات الدراسية، فاكتسبت قويتشو لقب «متحف الجسور العالمي». وفي السنوات الأخيرة، جعل المناخ البارد والظروف الجيولوجية المستقرّة صناعاتٍ مثل مراكز البيانات تتّخذ من هنا مقرًّا — فغدت «النائية» قديمًا ميزةً في منطق الصناعة الجديد. ومن شقّ الطرق وبناء الجسور إلى التطلّع نحو النجوم، استطاعت قويتشو في بضعة عقود أن تحوّل نفسها من «ممر» إلى «وجهة».
اليوم، وأنت تسير في قويتشو، يمكنك أن ترى طبقات التاريخ واحدة فوق واحدة: في أزقة تونبو الحجرية عهد مينغ، وفي قلاع التوسي عهدا سونغ ويوان ومينغ، وفي برج الطبل بالقرى أغانٍ لم تتغيّر منذ آلاف السنين، وفي ورش بلدات الخمر أحياء دقيقة من الوادي، وفي قاعات المعارض أحداث العصر الحديث. وإذا ربطت هذه الخيوط بعضها ببعض، أدركت أن قويتشو لم تكن يومًا مجرّد وجهة مناظر — إنها تاريخ مفتوح على الهضبة، ينتظرك أن تقلب صفحاته بخطواتك.
